حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
- مولد النبي – صلى الله عليه وسلم :-
في صبيحة يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، الموافق للعشرين من أبريل من سنة 571 م ولد نبي الرحمة والرسول الكريم وخاتم النبيين وأشرف المرسلين وأكرم الخلق: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر.
وذكرت بعض الروايات أن أمه آمنة بنت وهب لم تجد في حملها ما تجده النساء عادة من ألم وضعف، بل كان حملا سهلا يسيرا مباركا، كما روي أنها سمعت هاتفا يهتف بها قائلاً: “إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: إني أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وسميه محمدا”.
ولما وضعته أمه خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب، حتى أضاءت منه قصور بصرى بأرض الشام وهو المولود بمكة.
**بيئة النبي – صلى الله عليه وسلم – ونشأته:**
كانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت قد انتشرت فيها عبادة الأصنام والأوثان، والإيمان بالخرافات والجهالات، كما انتشرت الأخلاف الوضيعة والعادات السيئة والتقاليد القبيحة مثل: الزنى، وشرب الخمر، والتجرؤ على القتل وسفك الدماء، وقتل الأبناء ووأد البنات – أي دفنهن حيات – خوفا من الفقر أو العار.
كما كان يسود التعصب القبلي الشديد الذي يدفع صاحبه إلى مناصرة أهل قبيلته بالحق أو البطل، والتفاخر بالأحساب والأنساب، والحرص على الشرف والمكانة والسمعة الذي كان كثيرا ما يفضي إلى حروب ومعارك بين القبائل تستمر سنوات طويلات، وتسفك فيها الدماء رخيصة، على الرغم من تفاهة الأسباب التي اشتعلت بسببها تلك الحروب.
ورغم نشأة النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – في هذه الأجواء الجاهلية إلا أنه منذ صغره لم يتلوث بأي من هذه الوثنيات والعادات المنحرفة، ولم ينخرط مع أهل قبيلته في غيهم وظلمهم، بل حفظه الله من الوقوع في أن من ذلك منذ نعومة أظفاره.
وينتسب النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى أسرة عريقة ذات نسب عظيم عند العرب، فقد كان أجداده من أشراف العرب وأحسنهم سيرة.
وقد ولد – صلى الله عليه وسلم – يتيمًا فقيرًا، فقد توفي والده عبد الله أثناء حمل أمه آمنة بنت وهب فيه.
كان من عادة العرب أن يدفعوا أولادهم عند ولادتهم إلى مرضعات يعشن في البادية؛ لكي يبعدوهم عن الأمراض المنتشرة في الحواضر، ولتقوى أجسادهم، وليتقنوا لغة العرب الفصيحة في مهدهم.
ولذلك دفعت آمنة بنت وهب وليدها محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى مرضعة من بني سعد تسمى حليمة.
وقد رأت حليمة العجائب من بركة هذا الطفل المبارك محمد – صلى الله عليه وسلم – حيث زاد اللبن في صدرها، وزاد الكلأ في مراعي أغنامها، وزادت الأغنام سمنًا ولحمًا ولبنًا، وتبدلت حياة حليمة من جفاف وفقر ومشقة ومعاناة إلى خير وفير وبركة عجيبة، فعلمت أن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – كونه ليس مثل كل الأطفال، بل هو طفل مبارك، واستيقنت أنه شخص سيكون له شأن كبير، فكانت حريصة كل الحرص عليه وعلى وجوده معها، وكانت شديدة المحبة له.
وعندما بلغ النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – ست سنوات توفيت أمه، فعاش في رعاية جده عبد المطلب الذي أعطاه رعاية كبيرة، وكان يردد كثيرًا أن هذا الغلام سيكون له شأن عظيم، ثم توفي عبد المطلب عندما بلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – ثماني سنوات، وعهد بكفالته إلى عمه أبي طالب الذي قام بحق ابن أخيه خير قيام.
- العناية الإلهية قبل بعثته – صلى الله عليه وسلم :-
وفي صغره كان النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – يعمل في رعي الأغنام، ثم اتجه للعمل في التجارة حين شب، وأبدى مهارة كبيرة في العمل التجاري، وعرف عنه الصدق والأمانة وكرم الأخلاق وحسن السيرة والعقل الراجح والحكمة البالغة.
كان نبي الرحمة محمد – صلى الله عليه وسلم – ينأى بنفسه عن كل خصال الجاهلية القبيحة، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل من الذبائح التي تذبح للأصنام، ولم يكن يحضر أي عيد أو احتفال يقام للأوثان، بل كان معروفًا عنه كراهيته الشديدة لعبادة الأصنام وتعظيمها، حتى أنه كان لا يحب مجرد سماع الحلف باللات والعزى وهما صنمان مشهوران كان العرب يعظمونهما ويعبدونهما ويكثرون الحلف بهما.
ولم يكن نبي الرحمة محمد – صلى الله عليه وسلم – يشارك شباب قريش في حفلات السمر واللهو ومجالس الغناء والعزف والخمر، وكان يستنكر الزنى واللهو مع النساء.
كان الرسول العظيم محمد – صلى الله عليه وسلم – يمتاز في قومه بالأخلاق الصالحة، حتى أنه كان أعظمهم مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكثرهم حلمًا.
فاشتهر عنه مساعدة المحتاجين، وإعانة المبتلين، وإكرام الضيوف، والإحسان إلى الجيران، والوفاء بالعهد، وعفة اللسان، وكان قمة في الأمانة والصدق حتى عرف بين قومه بـ “الصادق الأمين”.
- الصادق الأمين :-
ولما انتشر في مكة أن رسول الله هو “الصادق الأمين” كان رجال قريش يضعون عنده أماناتهم، ويطلبون منه المتاجرة في أموالهم، فكان يربح المال الوفير، ثم يأخذ مالاً يعيش به ويساعد عمه أبا طالب.
وكان في قريش امرأة تسمى “خديجة بنت خويلد” وهي امرأة غنية؛ فقد تزوجت برجل غني مات عنها، ثم تزوجت بآخر فمات وترك لها مالاً وفيراً، ولأنها امرأة فقد كانت تستأجر الرجال للعمل في تجارتها، ويبدو أنها قد تعرضت كثيراً للسرقة أو لضياع بعض مالها.
فلما سمعت بالصادق الأمين محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتأكدت من أمانته؛ طلبت منه أن يخرج في تجارة لها، وتعطيه أجراً مقابل هذا، وأرسلت معه غلاماً لها وهو “ميسرة”.
- العجب العجاب :-
وأثناء هذه الرحلة إلى الشام رأى ميسرة العجب العجاب؛ لقد رآه (صلى الله عليه وسلم) أميناً في تجارته، صادقاً في حديثه، ورأى سحابة تظله أينما ذهب.
وفي طريق العودة جلس الصادق الأمين تحت شجرة يستظل بها من الشمس؛ فرآه أحد الرهبان، فدعا ميسرة وسأله عنه، ثم قال له: إن هذه الشجرة لم ينزل تحتها إلا نبي. وكان ميسرة يرى معه ملكين يظلانه بجناحيهما، أينما ذهب، فلما عاد أخبر سيدته خديجة بهذا الأمر؛ فذهبت إلى ابن عمها “ورقة بن نوفل”، وكان نصرانيا، قرأ الكتب وعرف صفة نبي آخر الزمان، فبشرها بذلك.
- تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد :-
وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامته، فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له – فيما يزعمون -: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبًا، وأعظمهن شرفًا، وأكثرهن مالاً؛ كل قومها كان حريصًا على ذلك منها لو يقدر عليه.
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب، رحمه الله، حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها.
قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله عنها.
- عادة بناء الكعبة :-
وتبني قريش الكعبة بشرط مسبوق: “ألا يدخل في بنائها إلا طيب، فلا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة لأحد من الناس”.
ويشارك النبي الكريم صاحب الخمس وثلاثين عاما في البناء، ويحمل الحجارة من الوادي مشاركا قوم
ه في هذا العمل، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفت قريش فيمن يضع الحجر مكانه، حتى كادت الحرب أن تقع بينهم بسبب هذا الشرف العظيم، لكنهم اتفقوا على أن يحكموا أول رجل يطلع عليهم من سكة بني شيبة، ولحسن الحظ كان هذا الرجل هو الصادق الأمين محمد بن عبد الله، فلما رأوه قالوا: “هذا محمد الأمين، رضينا، هذا محمد”، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر طلب منهم رداءً، فوضع الحجر في وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف الثوب، ويقوموا بنقل الحجر الأسود من مكانه حتى إذا أوصلوه إلى موضعه، أخذه النبي بيده الكريمة ووضعه مكانه، وبهذا حسم النبي الكريم الخلاف، وكفى قومه شر القتال والاحتراب، وأنقذهم بحكمته وحسن تصرفه وحنكته من حرب وشيكة كادت أن تشتعل بينهم لولا حكمة النبي العظيم، وعقل النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم.
- العزلة والتعبد :-
ولما بلغ – صلى الله عليه وسلم – أربعين سنة كانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، وحبب إليه الخلاء، فكان يذهب إلى غار حراء في جبل النور، على مبعدة نحو ميلين من مكة، ومعه أهله، فيقيم فيه شهر رمضان، ويطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكر والتأمل فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك، ولكن ليس لديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختياره لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس التي تشغل الحياة، واستعدادًا لما ينتظره من الأمر العظيم، وحمل العبء الكبير، وبذلك مضى – صلى الله عليه وسلم – إلى سن الأربعين، قد نشأ نشأة خاصة، من التدبير الإلهي الذي يرقى به إلى أعلى المقامات البشرية، ثم يصطفيه رسولاً يوحى إليه.
#مصادرنا لما سبق :
1. **ابن هشام**: السيرة النبوية.
2. **ابن كثير**: البداية والنهاية.
3. **محمد رضا**: محمد رسول الله.
4. **الدكتور علي محمد الصلابي**: السيرة النبوية.
5. **الدكتور محمد علي الصلابي**: فقه السيرة.
