حياه النبي صلى الله علية وسلم بعد البعثة
تمهيد
بُعث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الأربعين من عمره، وهو سن الكمال. نزل عليه الملك بحراء يوم الإثنين في السابع عشر من رمضان. عندما كان ينزل الوحي عليه، كان يشعر بثقل وتغير وجهه ويعرق جبينه.
نزول الوحي الأول
عندما نزل عليه الملك، قال له: “اقرأ”، فأجاب: “لست بقارئ”، وغطه الملك حتى بلغ منه الجهد، ثم قال له مرة أخرى: “اقرأ”، وكرر النبي (صلى الله عليه وسلم) نفس الإجابة ثلاث مرات. ثم قال له الملك: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”. [العلق: 1-5].
عودته إلى خديجة
عاد النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى خديجة وهو يرتجف، وأخبرها بما رأى، فثبتته وقالت له: “أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر”.
ذهاب النبي إلى ورقة بن نوفل
ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، الذي كان نصرانياً ويكتب الكتاب العبري. فأخبره النبي بما حدث، فقال له ورقة: “هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى. يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك”. فقال النبي: “أومخرجي هم؟” فقال ورقة: “نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً”، ثم لم يلبث ورقة أن توفي.
فتور الوحي
بعد ذلك، فتر الوحي، فمكث النبي (صلى الله عليه وسلم) ما شاء الله أن يمكث لا يرى شيئاً، فاغتم لذلك، واشتاق إلى نزول الوحي.
الوحي الثاني
ثم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسي، فثبته وبشره بأنه رسول الله حقاً. خاف النبي (صلى الله عليه وسلم) وذهب إلى خديجة وقال: “زملوني، دثروني”، فأنزل الله عليه: “يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ”. [المدثر: 1-4].
بداية الدعوة
أمره الله تعالى في هذه الآيات أن ينذر قومه، ويدعوهم إلى الله، ويعظم الله تبارك وتعالى، ويطهر نفسه من المعاصي والآثام. شمّر النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ساعد الجد، وعلم أنه رسول الله حقاً، وقام في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله تعالى الكبير والصغير، والحر والعبد، والرجال والنساء، والأسود والأحمر. استجاب له من كل قبيلة أناس، وأخذهم سفهاء مكة بالأذى والعقوبة، وصان الله رسوله (صلى الله عليه وسلم) بعمه أبي طالب.
موقف قريش من الدعوة
كان موقف قريش من الدعوة الإسلامية في البداية موقف الاستهزاء والسخرية. كانوا يتغامزون ويسخرون منه عندما يرونه يصلي عند الكعبة، ولم يتجاوزوا ذلك إلى الإيذاء الفعلي في البداية. لكن عندما بدأ أتباع النبي يزدادون يوماً بعد يوم، وبدأت الآيات التي تطعن في الأصنام تنزل، بدأ الإيذاء الفعلي.
حماية أبي طالب للنبي
حمت قريش النبي طالما أنه تحت حماية عمه أبي طالب. لكن عندما بدأ النبي في الطعن في آلهتهم، ذهبوا إلى أبي طالب يطلبون منه أن يكف النبي عن سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم. أبو طالب ردهم رداً جميلاً، ولكنهم عادوا إليه مرة أخرى مهددين بإعلان الحرب. استدعى أبو طالب النبي وأخبره بما قاله القوم، فرد النبي قائلاً: “والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته”. قال أبو طالب للنبي: “اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك إلى شيء تكرهه أبداً”.
محاولات قريش لثني النبي
حاولت قريش الإغراء بالمال والجاه. أرسلوا إليه عتبة بن ربيعة ليعرض عليه المال والشرف والملك. استمع النبي (صلى الله عليه وسلم) لعتبة، ثم قرأ عليه القرآن. عاد عتبة إلى قومه وقال: “لقد سمعت كلاماً ما سمعت بمثله قط، لا هو بشاعر ولا كاهن ولا ساحر”. اقترح عليهم ترك النبي وشأنه.
استمرار الدعوة والاضطهاد
استمرت الدعوة الإسلامية في الانتشار، وزادت حدة إيذاء قريش للمسلمين. كان أبو لهب وعقبة بن أبي معيط من أشد المؤذين للنبي. أما المسلمون فقد صبت قريش لجام غضبها عليهم، سواء كانوا من الأحرار أو العبيد. تعرضوا لشتى أنواع التعذيب والاضطهاد.
حماية بني هاشم وبني المطلب
عندما اشتد إيذاء قريش، دعا أبو طالب بني هاشم وبني المطلب لحماية النبي ونصرته. استجابوا له جميعاً ما عدا أبا لهب الذي استمر في غيه وضلاله. حاولت قريش استخدام وسائل أخرى للنيل من النبي ودعوته، منها الإغراء بالمال والجاه، وطلب المعجزات، ولكن كل ذلك لم يثن النبي عن دعوته.
كانت هذه المحاولات والتحديات التي واجهها النبي (صلى الله عليه وسلم) في بداية الدعوة، والتي أظهرت صبره وإصراره على نشر رسالة الله.
